| هل يصدق منتدى اللغة العربية في ارتريا؟؟ |
|
|
|
| الكاتب محمد محمود عبد الله |
| الأحد, 04 أبريل 2010 10:49 |
|
أوردت صحيفة ارتريا الحديثة في عدده 122 الصادر الخميس 1/4/2010م خبرا مفاده أن وزارة التربية والتعليم ستنظم يوم التاسع والعاشر من ابريل الجاري منتدى وطنيا لتقوية تدريس اللغة العربية في المؤسسات التعليمية ويحدد وزير التعليم الإرتري سمري رؤسوم أهداف هذا المنتدى بقول : "أن المنتدى يرمي إلى وضع خطة إستراتيجية تقوي من قدرات الطلاب في مجال اللغة العربية وتعزيز منهجية التعليم والتعلم التي تجعل الطالب محور العملية التعليمية. وسيركز المنتدى على التحديات التي تواجه تدريس اللغة العربية وستعمل الوزارة على جعل الطلاب يتحدثون اللغة العربية بطلاقة" ، وحسب ما ورد في الصحيفة وفقا لتصريحات منسق لجنة المنتدى سيشارك في هذا اللقاء أكثر من مائتين وخمسين من الخبراء من داخل البلاد. انتهى وكان الخبر بالنسبة لي ، واحسب لكل من اطلع عليه لافتا ومفاجئا !! ، ومن جانبي أعدت قراءته أكثر من مرة خشية أن يكون الخبر يتحدث عن بلد آخر غير ارتريا إذ أن صحيفة ارتريا الحديثة تنقل دوما وبدون حرج أخبارا هامة عن قضايا مختلفة مثل قضايا الحريات العامة ، وعن حقوق الإنسان ، وعن الانتخابات الديمقراطية في البلدان الأخرى ، فخشيت أن يكون هذا الخبر أيضا من جنس تلك الأخبار ، وهذا ولد عندي عددا من التساؤلات . هل أن الصحيفة حقا تعني ما تقول ؟ أم أن هناك خطأ غير مقصود ؟ إلا أنني أخيرا رجحت دقة الخبر ، وأن ما ورد هو المقصود عينه ، باعتبار أن الصحيفة في بلد يحكمه دكتاتور تتقاصر دونه كل الدكتاتوريات التي عرفها التاريخ ، وهي تخضع لرقابة صارمة قبلية وبعدية ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتسرب منها خبر يمثل نقطة تحول في سياسة حكومة الشعبية ، التي ظلت تعمل بكل الوسائل على طمس أي اثر للغة العربية ناهيك أن تعمل على إجادة الطلاب ، لها وبخاصة الناشئة ، إلا أننا نردف سؤالا هاما هل الخطوة تهدف حقيقة إلى إصلاح ما اعترى اللغة العربية من إهمال طوال عهد الشعبية ؟ ، أم أنها تأتي كمحاولة لاكتشاف فلول المندسين المطالبين برفع مستوى اللغة العربية ومساواتها بالتجرينية ؟ كما حصل من قبل حيث طرحت الحكومة قضية التعليم بلغة الأم وصدق البعض بان الحكومة فعلا تتوق للإصلاح وتريد تصحيح المسار فخاضوا في الموضوع فكتبوا وناقشوا وانتقدوا واقترحوا وهم لا يشكون في نوايا حكومتهم الوطنية مثل " الكاتب إدريس أبعري" و"الفنان إدريس محمد علي " و"المناضل قرد اذن" وغيرهم فكان مصيرهم جميعا غياهب السجون؟ وحكومة هذا دأبها حق لنا أن نكثر الشك في نواياها ونلح في التساؤل هل هذه صحوة متأخرة وجاءت الفكرة بعد ذهاب السكرة ؟ أم هي ضمن سياسة الشعبية لإيقاف مد المعارضة وتقليل سقف مطالبها وبالتالي تخذيل جزء مهم منها قضية اللغة عنده أحد أهم نقاط الاختلاف مع نظام الشعبية ، وبخاصة هذا البعض يجد في صفوف المعارضة المتوثبة للسلطة من لا يرى للغة العربية مكانا في ارتريا ، مهما اتسعت رقعة المنادين بها وبحت أصواتهم ، أم أن المنتدى المعني منه الوضع الخارجي؟ ويأتي ضمن سياسة دغدغت العواطف وكسب المحيط العربي سياسيا واقتصاديا ؟ بعد أن خسرت حكومة الشعبية الحليف الغربي والأمريكي على وجه الخصوص ؟ ودعنا نحسن الظن بان الخطوة تأتي ضمن المراجعات الداخلية ونرجو أن تكون بداية حقيقية لمراجعات شاملة لكل سياسات الحكومة الداخلية والخارجية ، وحقا ليس في ذلك عيب بل يعتبر هذا منتهى الوعي والعقلانية والنضوج إذا ما حدث ، وهي خطوة تتخذها ونهج تنتهجه كل الدول المتطلعة الى إرساء دعائم الاستقرار والبناء والتنمية فتبدأ بنقض البناء المتهاوي لتعمق أساسا راسخا لحياة مستقرة تبدأ بالعدل وتنتهي بالعدل . اللغة العربية في ارتريا ليست لغة أجنبية تخضع لمزاج فئة من الناس تسعى الى حشرها في ركن قصي انتماء أو استخداما ، بل هي قديمة بقدم ارتريا وجدت مع وجودها ، فاللغات الارترية الأوسع انتشارا مثل التجري والتجرنية ما هي إلا لغات سامية تنسب لشجرة واحدة مع العربية والعبرية ، بل أن لغاتنا هذه هي احد اللهجات العربية البائدة ، وما عليك إلا أن تتمعن قليلا في كل مفردات اللغتين ثم قارنهما مع اللغة العربية القديمة في بطون الكتب الرصينة ، ستجد أنها فعلا فصيل مهم من هذه اللغة ، ثم أن المنطقة كانت واحدة بتواصلها الثقافي والاقتصادي والديني ، قبل أن تذرى فيها كثبان خطط المستعمر المفرق ، فلا عجب أن تكون المشتركات كثيرة ، وقد استخرج باحث ألماني يهتم بالمخطوطات القديمة في عام 1970م مكتبة كانت مخزنة بصورة علمية تحت الأرض في منطقة الساحل في ارتريا ، تعود للقرن الخامس الميلاد ، وكانت مكتوبة باللغة العربية ، ويذكر المؤرخون أن الايطاليين عندما دخلوا الى ارتريا كانوا يكتبون النسخة الارترية من الاتفاقيات والوثائق بالعربية ونسختهم بالايطالية وكان التعليم بالعربية وان حاولوا فيما بعد إضعافها والاستعاضة عنها بفرض الايطالية كلغة تعليم وتوظيف ، ومع ذلك لم يتمكنوا من إقصائها من الحياة الثقافية ، وظلت عصية على الاستئصال ، وكانت اغلب الصحف والمجلات تصدر بالعربية وصدرت أول صحيفة في عام 1928م باللغة العربية كلغة وحيدة معبرة عن ثقافة ارتريا ، ولم تكن تزاحمها لغة أخرى ، ولم يكن في ارتريا حينها من يزعم أن التجرينية هي اللغة الوحيدة المستحقة للحياة والسيادة كما هو الزعم اليوم حيث كان الآباء يتعاملون مع القضايا بواقعية ، إلى أن جاءت الإملاء الاستعمارية من أجل خلق فتنة توهي من موثقات العقد الاجتماعي بين الإرتريين ، ونجح المستعمر في مشروعه بعض الشئ ، وبذل الإثيوبيون جهدا مضنيا في محاربة اللغة العربية في ارتريا وغرس كراهيتها في عقول مثقفي التجرينية ، إلا أن قضية العربية إضافة إلى أسباب أخرى كانت من عوامل تفجير الثورة الإرترية ، التي أثبتت من الناحية العملية أن اللغة العربية ترقى إلى مستوى أن يضحى من اجلها كمعبر عن هوية ارتريا . وجاء نظام الشعبية منتهجا نهج سلفه المستعمر في محاربة اللغة العربية مع أن الكثيرين من الارتريين والعرب كانوا يحسنون به الظن في بدايته كنظام وطني جاء على أنقاض استعمار عمل على طمس الهوية الإرترية ، وظنوه أنه سيعمل على استعاضة ما فقدوه وناضلوا من اجله وسيعمل على ترسيخ ثوابتهم الوطنية ومن ضمنها إدراكه لأهمية اللغة العربية لقطاع عريض من مواطنيه الارتريين إلا أنه كان الأسوأ من سابقيه. ولا نستطيع أن نتبين أسباب الحقد الكامن لدى فئات من المسيحيين الارتريين تجاه اللغة العربية ، مع أن بعضهم ينتمي أرومة الى الأصول العربية أكثر من المطالبين بالعربية أنفسهم ، ومع علمهم بأنها تمثل مطالب قطاع عريض من أهل ارتريا ، فهل ياترى ما يدفعهم الى ذلك هو الاعتقاد الخاطئ بان التحدث بها وإجادتها يعتبر تحولا اعتقاديا من النصرانية الى الإسلام ؟ الم يسمعوا بمسيحي الشام الذين كانوا أكثر من اهتم بتراث العربية وعمل على بعثها وتطويرها دون ان يتزحزحوا عن معتقداتهم ؟ الم يقرؤوا عن المستشرقين الذين افنوا أعمارهم في خدمتها ؟ أم أن الأمر يدخل في باب نفي الآخر ، وعدم الاعتراف بأي شيء يستحقه من الأرض ، والعرف ، الثقافة ، وحق المشاركة في الحكم؟ اعتقد أن على مواطنينا المسيحيين أن يعيدوا النظر في قناعاتهم تجاه العربية ، ويدققوا في المصالح المترتبة عليها داخليا وخارجا دون أن يجعلوا منها غولا يخشون التهامه وسطوته بمجرد الاعتراف بها واستخدامها. وهنا نوجه ونذكر كل المعنيين بأمر اللغة العربية أن يسارعوا في تبيين مكانة اللغة العربية في التاريخ الارتري ، والشخصية الارترية ، وأهميتها السياسية ، والاقتصادية ، لبلد محاط بالعربية جغرافية ، وقبلها نسبا وصهرا لهؤلاء ال (250) المشاركين في المنتدى المذكور . ونقول للحكومة الارترية إذا كنت جادة في البحث عن المخرج من النفق المظلم الذي أدخلت فيه الوطن والمواطنون بسبب سياساتها المضطربة أو قل ألا سياسة فيجب ألا تكون الخطوة المعلن مجرد مناورات سياسية فقط ، بل يجب أن تكون قناعة وان لا تكون خطوة قاصرة ووحيدة مثل بيضة الديك ، بل ينبغي أن تكون المراجعة اشمل وأعمق ، وأهمها إطلاق سراح جميع المعتقلين ، ورد المظالم ، وإقرار الحقوق. وعندها فقط يعيش الجميع في ارتريا والجوار في وئام واستقرار. |
| آخر تحديث: الخميس, 08 أبريل 2010 03:30 |